موقع الشيخ د. عقيل المقطري
الموقع الرسمي
الرئيسية / الفتاوى / فقه العبادات / الزكاة
الزكاة رقم الفتوى: 9 نشر: 2026/09/10 4 مشاهدة

حكم أخذ جامع الزكاة أو صدقات التطوع من الأموال؟

س
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رجل يجمع الصدقات من الناس ويوصلها إلى مستحقيها، وهو ليس معينًا من ولي الأمر على جمع الزكاة، فلا يستحق أن يأخذ من الزكاة بوصفه من العاملين عليها؛ لكن لو كان هذا الرجل نفسه فقيرًا أو مسكينًا أو غارمًا مستحقًا للزكاة، فهل يجوز له أن يأخذ منها كواحد من سائر المستحقين؟ وهل يختلف الحكم إذا كانت الأموال التي يجمعها من صدقات التطوع وليست من الزكاة الواجبة؟

سلمكم الله.

الجواب المختصر

جامع الزكاة خاصًة ليس من "العاملين عليها"، ولا يجوز له أخذ أُجرة من الزكاة، ولكنه إن كان فقيرًا جاز له أخذها بوصف الفقر إذا أذن الموكل أو شمله الوصف العام، والأحوط دائمًا الاستئذان. أما صدقة التطوع فيجوز أخذ أجرة منها إذا أذن المتبرع.

ج
الجواب التفصيلي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالسؤال يشتمل في الحقيقة على مسألتين مختلفتين:

الأولى: هل يجوز لمن يجمع الزكاة أو الصدقات أن يأخذ شيئًا منها مقابل عمله؟

والثانية: إذا كان الجامع نفسه فقيرًا أو مسكينًا أو غارمًا، فهل يجوز أن يأخذ منها بوصفه من المستحقين؟

كما يلزم التفريق بين الزكاة المفروضة وبين صدقة التطوع؛ لأن الأحكام ليست واحدة.

أولًا: حكم من يجمع الزكاة بوصفه وكيلًا عن أصحاب الأموال

قال الله تعالى في مصارف الزكاة:

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].

والعاملون عليها أحد مصارف الزكاة الثمانية.

لكن مجرد كون الشخص يجمع الزكاة ويوصلها إلى الفقراء لا يجعله بالضرورة من «العاملين عليها» بهذا الاصطلاح.

فقد قرر الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أن العاملين عليها هم من تكون لهم ولاية على قبض الزكاة وتفريقها بتعيين ولي الأمر، أما من يقول له أحد الناس: خذ زكاتي ووزعها على الفقراء، فهذا وكيل خاص لصاحب المال، وليس من العاملين عليها بالمعنى المذكور في الآية.

وعلى هذا؛ فلا يجوز لهذا الوكيل أن يقتطع من مقدار الزكاة لنفسه أجرة على جمعها أو توزيعها تحت عنوان «العاملين عليها».

وهذا يفرق بين أمرين:

الأجرة على العمل شيء، واستحقاق الزكاة بسبب الفقر شيء آخر.

ثانيًا: إذا كان جامع الزكاة فقيرًا أو مسكينًا أو غارمًا

إذا كان الجامع لا يستحق من سهم العاملين عليها، لكنه كان هو نفسه فقيرًا أو مسكينًا أو غارمًا مستحقًا شرعًا، فهل يسقط عنه الاستحقاق لأنه يجمع الزكاة؟

الجواب: لا يسقط أصل استحقاقه بذلك.

بل إذا انطبق عليه وصف من أوصاف أهل الزكاة فإنه يجوز لصاحب الزكاة أن يعطيه بوصفه فقيرًا أو مسكينًا أو غارمًا، كما يعطي غيره.

فلو كان رجل يجمع زكوات الناس، وهو مدين بدين يبيح له الأخذ من سهم الغارمين، جاز لمن علم حاله أن يعطيه من الزكاة بوصف الغرم.

وكذلك إن كان فقيرًا لا يجد كفايته، جاز أن يعطى بوصف الفقر.

ولا يقال: إنه لما لم يكن من العاملين عليها حرم عليه الأخذ مطلقًا؛ لأن كل مصرف من مصارف الزكاة مستقل بسبب استحقاقه.

ثالثًا: هل يجوز له أن يأخذ بنفسه من المال الذي وُكِّل في توزيعه؟

هنا تأتي مسألة دقيقة ينبغي فصلها عما سبق.

فقد يكون الرجل مستحقًا للزكاة من حيث الفقر، لكن المال الذي بيده أمانة ووكالة عن شخص آخر.

والسؤال: هل يملك أن يقول: أنا واحد من الفقراء، فيقتطع لنفسه جزءًا من المال دون أن يرجع إلى صاحب الزكاة؟

اختلف العلماء في ذلك.

القول الأول: لا يجوز له أن يأخذ لنفسه إلا بإذن الموكل

وهذا قول جمهور من ذكر هذه المسألة، وهو المنصوص عن الإمام أحمد، ونُقل أيضًا عن مالك والشافعي.

قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: "وإذا أوصَى إليه بتَفْرِيقِ مالٍ، لم يكُنْ له أخذُ شيءٍ منه، نصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا كانَ في يدِه مالٌ للمَساكينِ وأبوابِ الْبِرِّ، وهو يَحْتاجُ إليه، فلا يأكلُ منه شيئا، إنَّما أُمِرَ بتَنْفِيذِه".

ووجه هذا القول أن صاحب المال عندما سلم المال إلى الشخص ليقوم بتوزيعه، جعله أمينًا ووكيلًا، وأخذ الوكيل لنفسه مظنة المحاباة والتهمة.


القول الثاني: يجوز له أن يأخذ إذا تناولته الوكالة العامة

ورخص بعض أهل العلم في أخذه إذا كان صاحب المال قد علق الدفع على وصف عام، والوكيل متصف حقيقة بذلك الوصف.

فلو قال صاحب المال:

«وزع هذه الزكاة على من تعرف من الفقراء والمساكين»،

وكان الوكيل نفسه فقيرًا حقيقة، قال أصحاب هذا القول: هو واحد ممن شملهم وصف «الفقراء»، فيجوز له الأخذ كما يجوز لغيره.

وقد ذكر ابن قدامة هذا الاحتمال في المغني، كما ذكر احتمال الرجوع إلى قرائن الحال: فإن دلت القرائن على أن الموكل قصد دخول الوكيل في عموم المستحقين جاز، وإن دلت على خلاف ذلك لم يجز.

كما قررت دار الإفتاء المصرية أن الوكالة إذا كانت مطلقة لمن يراه الوكيل مستحقًا، وكان الوكيل نفسه فقيرًا أو مسكينًا، جاز له أن يأخذ منها بالمعروف؛ أما إذا كانت الزكاة مقيدة بأشخاص أو جهة معينة ولم يكن منهم فلا يجوز.

فالمسألة إذن ليست محل اتفاق.

رابعًا: ما الأحوط في هذه الصورة؟

مع وجود القول المجيز، فإن الأبعد عن الشبهة، والأحفظ للأمانة، والخارج من خلاف العلماء، هو:

أن يخبر صاحب الزكاة بحاله ويستأذنه في الأخذ.

فيقول له مثلًا:

«أنا أيضًا من الغارمين أو من الفقراء، فهل تأذن لي أن آخذ من هذه الزكاة بالقدر الذي أستحقه؟»

فإذا أذن له، وكان مستحقًا فعلًا، زال الإشكال المتعلق بالوكالة، وأخذ بسبب الفقر أو الغرم، لا بسبب جمع الزكاة.

وهذا خصوصًا أولى في زماننا؛ لكثرة الأموال التي تُجمع للناس، ولما قد يترتب على تصرف الجامع لنفسه من سوء الظن أو النزاع.

خامسًا: إذا كانت الأموال صدقات تطوع وليست زكاة

هنا يختلف الحكم.

فـصدقة التطوع ليست محصورة في المصارف الثمانية التي حصرت فيها الزكاة الواجبة، كما لا يوجد فيها سهم واجب باسم «العاملين عليها» على نحو سهم الزكاة.

ولكن القائم بجمع التبرعات وكيل وأمين عن المتبرعين، فلا يجوز له التصرف في المال إلا وفق ما أذنوا له فيه.

وأخذ جامع التبرعات قدرًا مقابل عمله يجوز إذا كان ذلك بعلم المتبرع وإذنه؛ لأن المتبرع في هذه الصورة يكون قد خصص جزءًا للصدقة وجزءًا أجرة للقائم على جمعها وتوزيعها.

فمثلًا:

إذا قال المتبرع: «أعطيك مائة، تسعون منها للفقراء وعشرة مقابل قيامك بجمعها وإيصالها»، فلا حرج من هذه الجهة.

أما أن يعطيه المائة كلها لتصل إلى المحتاجين، ثم يقتطع الجامع منها لنفسه أجرة لم يأذن بها المتبرع، فالأصل أنه لا يجوز؛ لأنه وكيل، والوكيل مقيد بإذن موكله.


سادساً: إذا كان جامع صدقات التطوع نفسه فقيرًا

إذا كانت الصدقة مخصصة لشخص أو مشروع أو أسرة معينة، فلا يجوز للجامع أن يأخذ منها لنفسه لمجرد أنه فقير.

فمن جمع مالًا قائلًا للناس مثلًا:

«هذه التبرعات لعلاج فلان»،

أو:

«هذه الصدقات لأرامل الأسرة الفلانية»،

فهو أمين على إيصالها إلى الجهة التي تبرع الناس من أجلها، ولا يجوز له تحويلها إلى نفسه ولو كان محتاجًا.

أما إذا قال المتبرعون:

«وزعها على الفقراء الذين تعرفهم»،

وكان الجامع نفسه فقيرًا، فترجع المسألة إلى الخلاف السابق في أخذ الوكيل لنفسه من المال الذي وكّل في توزيعه.

فمن العلماء من يمنعه إلا بإذن، ومنهم من يجيزه إذا شمله الوصف العام.

ولهذا يبقى الاستئذان هو الطريق الأوضح والأبرأ للذمة.

سابعاً: صورة عملية توضح الفرق

لو أعطى رجل شخصًا مبلغ 10,000 وقال:

«هذه زكاة مالي؛ وزعها على مستحقي الزكاة».

وكان الجامع فقيرًا:

  • لا يجوز له أن يقول: آخذ ألفًا لأنني عملت في الجمع؛ لأنه ليس من العاملين عليها بمجرد كونه وكيلًا خاصًا على القول المتقدم.
  • لكنه من حيث وصف الفقر قد يكون مستحقًا للزكاة.
  • وهل يأخذ من هذه العشرة آلاف بنفسه دون استئذان صاحبها؟ فيه الخلاف السابق، والأحوط أن يستأذنه.

أما إذا قال صاحب المال:

«هذه صدقة تطوع قدرها عشرة آلاف، وخذ منها خمسمائة مقابل جمعها وتوزيعها»،

جاز له أخذ الخمسمائة بوصفها أجرة مأذونًا بها، وليس بوصفه فقيرًا.

وإذا أعطاه عشرة آلاف كاملة وقال:

«أوصلها كلها إلى الأسرة الفلانية»،

فلا يجوز له أن يخصم منها أجرة أو يأخذ منها لفقره دون إذن صاحب المال.

والله أعلم.

الخلاصة

بينت الفتوى حكم أخذ من يجمع الزكاة أو صدقات التطوع لنفسه، مفرقًا بين من يعمل وكيلًا خاصًا فلا يعتبر من العاملين عليها ولا يحق له اقتطاع أجرة منها، وبين كونه مستحقًا بنفسه للزكاة فقراً أو غُرماً فيجوز أخذه بوصف الاستحقاق لا بالجمع. وفي أخذ الوكيل من المال الذي يبيعه لنفسه خلاف بين الجمهور المانع إلا بإذن ومن جوزه إذا شمله العموم، مع رجحان الاستئذان خروجاً من الخلاف. وفي صدقة التطوع، لا بد من إذن المتبرع في الأجرة، ولا يحق للجامع أخذ المال المخصص لجهة أو شخص معين لو كان محتاجاً.

المصادر والمراجع
  • المغني لابن قدامة 
  • القواعد لابن رجب
  • الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي
  • دار الإفتاء المصرية 


الشيخ الدكتور عقيل المقطري

فتاوى ذات صلة