حكم تبرج المرأة ولباسها في الحفلات أمام النساء؟
نشاهد في الحفلات والأفراح تبرج فوق المعقول للنساء وعندما ننصحهن يبررن بأنهن يتبرجن أمام نساء وليس رجال، هل هن على صواب؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
الصحيح أن عورة المرأة مع المرأة كعورة المرأة مع محارمها؛ فيجوز أن تُبدي للنساء مواضع الزينة ومواضع الوضوء لمحارمها ولبنات جنسها. أما التهتك في اللباس بحجة أن ذلك أمام النساء فليس من دين الله في شيء، وليس بصحيح أن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل، أي من السرة إلى الركبة؛ فهذا الأمر لم يدل عليه دليل صحيح، بل الأحاديث التي استُدل بها ضعيفة، ودلت نصوص الكتاب الكريم والسنة الصحيحة على ما ذكرته أعلاه.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ووجه الدلالة أن الله ذكر النساء بعد ذكر المحارم وقبل ذكر مُلك اليمين، فحُكم النساء مع النساء حُكم ما ذُكِر قبلهن وما ذُكِر بعدهن في الآية. وهذه الآية حددت من تُظهر لهم الزينة؛ فللأجانب: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «الزينة زينتان؛ فالظاهرة منها الثياب، وما خفي الخلخالان والقرطان والسواران». رواه ابن جرير في التفسير، والحاكم وصححه على شرط مسلم، والطبراني في المعجم الكبير، والطحاوي في مشكل الآثار. قال ابن جرير: "ولا يُظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهن."
أما الزينة المقصودة في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ...﴾ الآية، فهذه يوضحها علماء الإسلام، وخلاصة كلامهم: ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئاً لغير زوجها إلا ما يظهر منها أثناء أدائها لمهنتها في منزلها بين محارمها. وقوله (لهؤلاء الناس): أي المذكورين في الآية من المحارم ابتداءً بالبعل (الزوج) وانتهاءً بالطفل الذي لم يظهر على عورات النساء، ثم استثنى الزوج.
ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((المرأة عورة)). رواه الترمذي وغيره، وهو حديث صحيح، فلا يُستثنى من ذلك إلا ما استثناه الدليل. روى مسلم رحمه الله في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد)), وهو عند أبي داود والترمذي. وفي هذا الحديث النهي عن النظر إلى عورة المرأة، وهي ما سوى المظهر عرفاً، ولو لم يحصل الوصف من الناظرة عن المنظور إليها.
وأما القول بأن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل، فالأحاديث الواردة فيه ضعيفة ولا يصح شيء منها. إذاً فالصحيح أن عورة المرأة مع المرأة ليست كعورة الرجل مع الرجل من السرة إلى الركبة، وإن قال به من قال، بل عورة المرأة مع المرأة أكثر من ذلك.
وما أعظم ما تفتتن به النساء بعضهن ببعض، خاصة الفتيات في هذا الزمن، فيما يُسمّى بالإعجاب نتيجة التزيّن والتساهل في اللباس ولو كان أمام النساء! والشرع قد جاء بتحصيل المصالح وتكميلها، وتقليل المفاسد وإعدامها.
أدلة منع كشف الجسد أمام النساء
مما يدل على أنه لا يجوز للمرأة أن تبدي شيئاً من جسدها أمام النساء إلا ما تقدم ذكره من مواضع الزينة ومواضع الوضوء؛ إنكار نساء الصحابة على من كُنّ يدخلن الحمامات العامة للاغتسال، وكان ذلك في أوساط النساء. والحمام هو مكان الاغتسال الجماعي، سواء للرجال مع بعضهم، أو للنساء مع بعضهن، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الحمام حرام على نساء أمتي)). رواه الحاكم وصححه الألباني.
وقد دخلت نسوة من أهل الشام على عائشة رضي الله عنها فقالت: لعلكن من الكُورَة التي تدخل نساؤها الحمّام؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت سترها فيما بينها وبين الله عزّ وجلّ)). رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث صحيح.
ولذا كان عمر رضي الله عنه يكتب إلى الآفاق: «لا تدخلن امرأة مسلمة الحمام إلا من سقم، وعلموا نساءكم سورة النور». رواه عبد الرزاق.
فإذا كانت المرأة تُمنع من دخول الحمام، ولو كان خاصاً بالنساء، وتُمنع من نزع ثيابها ولو بحضرة النساء؛ كان من المتعين أن عورة المرأة مع المرأة كعورة المرأة مع محارمها، لا كعورة الرجل مع الرجل، فلا تبدي لمحارمها ونسائها إلا مواضع الوضوء والزينة، وهي: الوجه، والرأس، والعنق، واليدين إلى المرفقين، والقدمين.
مكارم الأخلاق ومخاطر التساهل
ثم لو افترضنا – جدلاً – أن عورة المرأة كعورة الرجل مع الرجل، لو افترضنا ذلك افتراضاً؛ فأين ذهبت مكارم الأخلاق؟ أليس هذا من خوارم المروءة؟
إن عورة الرجل مع الرجل من السرة إلى الركبة، ومع ذلك لو خرج الرجل بهذا اللباس لم يكن آثماً، إلا أنه مما يُذمّ ويدعو إلى التنقص، فإن الأطفال بل والمجانين لا يخرجون بمثل هذا اللباس! بل حتى الكفار الذين لا يُراعون ديناً ولا عادة لا يلبسون مثل هذا اللباس عند ذهابهم لأعمالهم أو اجتماعاتهم ونحو ذلك. فلو كان لباس المرأة كذلك، فأين مكارم الأخلاق؟
هذا بالإضافة إلى أنه تبين مما تقدم من الأدلة أن عورة المرأة مع المرأة ليست كعورة الرجل مع الرجل. والملاحظ أن بعض النساء تتجاوز الحدود الشرعية نتيجة للتأثر بالموضات، فربما كشفت عن صدرها وظهرها وساقيها، ولبست إلى نصف فخذها، ولبست ثياباً ضيقة للغاية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صنفان من أمتي لم أرهما بعد: وذكر ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، على رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)).
بل إن هذه المجامع يحضرها البر والفاجر من النساء، بل في بعض الصالات كاميرات تصوير خفية تصور النساء! وكم سمعنا عن تناقل بعض الشباب – هداهم الله – لصور عبر البلوتوث التقطت من الصالات، وكم من صورة أنزلت عبر الإنترنت وتداولها الناس وأدى ذلك إلى خراب بعض البيوت!
فلنتق الله جميعاً، ولنلتزم بالآداب الإسلامية، والله المستعان.
والله أعلم.