حكم صبغ الشعر واللحية بالسواد؟
ما حكم صبغ الشعر واللحية؟ خاصة أننا نرى اليوم من أهل العلم من يصبغ شعره، وهناك من يقول بالتحريم؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لأهل العلم في هذه المسألة أقوال: فمنهم المحرِّم، ومنهم المبيح، ومنهم المفصِّل في الأمر.
أما المحرِّمون فاستدلوا بقوله ((غيِّروا هذا الشَّيبَ، وجَنِّبوه السَّوادَ)) رواه مسلم، وحديث: ((يكون قوم يخضبون في آخر الزَّمان بالسَّواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنَّة)) أخرجه أبو داود (4212) واللفظ له، والنسائي (5075)، وأحمد (2470).
ورد عليهم بأن لفظة ((وجنِّبوه السَّوادَ)) وردت في حديث أبي الزبير عن جابر في قصة أبي قحافة واختلف عليه فيها؛ فمن الرواة عنه من أثبتها، ومنهم من لم يروها أصلاً؛ بل إن زهيراً أبا خيثمة سأله عن لفظة ((وجنِّبوه السَّوادَ)) فأنكر أنها من الحديث، وأثبتها عنه ابن جريج، ومع هذا فكان ابن جريج يخضب بالسواد، فكيف يخالف ما رواه؟
ورد على الاستدلال بالحديث الثاني أنه ضعيف، ففي إسناده اختلاف، ثم إن الوعيد الشديد ليس على الصبغ، وإنما على معصية أخرى لم تذكر، ويدل على ذلك قوله: ((قوم في آخر الزَّمان يخضبون))، وقد ثبت أن جمعاً من أهل العلم خضبوا بالسواد كالحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقاص، فلو كان حراماً لما فعلوه ولأنكر عليهم أهل العلم من الصحابة والتابعين في زمنهم، فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضاب؛ إذ لو كان كذلك لم يكن لذكر قوله في آخر الزمان فائدة. وقد قيل إنه يكثر في آخر الزمان وينتشر بخلاف الزمان الأول فإن الصبغ بالسواد لم يفعله إلا آحاد الناس، لكن هذا تأويل والواجب البعد عنه.
وأما المبيحون فاستدلوا بفعل جمع من الصحابة، وأنهم كانوا يخضبون بالكتم وهو إلى السواد أقرب، وقد مر ذكر بعضهم.
وأما المفصِّلون فقالوا: إن كان فيه غش وتدليس -كأن يذهب لخطبة امرأة فيظهر أنه شاب وهو ليس كذلك- فحرام، وإلا فجائز، والتفصيل هو المعتمد، والله أعلم.
الخلاصة
اختلف العلماء في حكم صبغ الشعر واللحية بالسواد، حيث استدل المحرمون بأحاديث وردت في النهي عن السواد، بينما رد المبيحون بضعف بعض الأحاديث أو تأويلها وبفعل بعض الصحابة والتابعين. والقول المعتمد هو التفصيل؛ حيث يُمنع الصبغ إذا اقترن بالغش والتدليس، ويُباح في غير ذلك من الأحوال.