موقع الشيخ د. عقيل المقطري
الموقع الرسمي
الرئيسية / المقالات / أثر العفو في دعوة النبي صلى الله عليه وس...
✍️ مقالة رقم المقال: 2 نشر: 2010/06/29 آخر تحديث: 2026/08/16 5 مشاهدة

أثر العفو في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

لقد مدح الله رسوله صلى الله عليه وسلم بخلُقه العظيم وأمره بالعفو والصفح ليكون أسوة حسنة للمؤمنين. وتزخر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بنماذج حية تعكس أثر العفو البالغ حتى مع الأعداء.

لقد أثنى الله سبحانه وتعالى على نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وأمره بالصفح الجميل قائلاً: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾، وجعل في سيرته العطرة القدوة الحسنة للمؤمنين بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.

حين نتأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نجد فيها أمثلة حية ونماذج فريدة في العفو والصفح؛ فلم تكن هذه الخصلة النبيلة مقتصرة على المؤمنين فحسب، بل شملت حتى أعداء الدين الذين أُمِرَ بمجالدتهم بالسيوف. وقد ترك هذا العفو أثراً بالغاً في نفوسهم، وكان سبباً مباشراً لهداية بعضهم ودخولهم في دين الله عز وجل. وفيما يلي نبذة من هذه المواقف العظيمة لعلنا نتأسى بها:

1. قصة ثمامة بن أثال

حين أُسر ثمامة بن أثال رضي الله عنه -قبل إسلامه- ورُبط في سارية من سواري المسجد لمدة ثلاثة أيام، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الإسلام في كل يوم. وبعد أن رفض ثمامة، سأله النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: «ماذا تظنني فاعلاً بك؟»، فأجاب ثمامة: يا محمد، إن تقتلْ تقتل ذا دم، وإن تعفُ تعفُ عن شاكر. فلم يتردد نبي الرحمة في إطلاق سراحه، فأمر بحل وثاقه. انطلق ثمامة بعد ذلك واغتسل، ثم عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه صادقاً، قائلًا: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم أظهر ولاءه التام بقوله: يا رسول الله، والله لن تذهب إلى قريش حبة حنطة إلا بإذن منك.

2. موقف الأعرابي والسيف

ومن صور عفوه العجيبة؛ موقف ذلك الأعرابي الذي أتاه صلى الله عليه وسلم وهو نائم تحت شجرة وسيفه معلق بها. استيقظ النبي ليجد الأعرابي شاهرًا السيف في وجهه صائحاً: يا محمد، من يمنعك مني الآن؟ فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم بثبات واطمئنان: «الله». فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وسأله: «ومن يمنعك مني الآن؟»، فقال الأعرابي: يا محمد، كن خير آخذ. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟»، فأجاب الأعرابي: لا، ولكني أُعاهدك ألا أقاتلك، ولا أقاتل مع من قاتلك. فصفح عنه النبي صلى الله عليه وسلم وتركه.

3. العفو العام يوم فتح مكة

يتجلى عفو النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه في أعظم صورة يوم فتح مكة؛ فقد عفا عن أهلها مع ما صدر منهم من أذى شديد له ولأصحابه. ومرد ذلك إلى خلقه العظيم، فهو صلوات الله وسلامه عليه ما كان ينتصر لنفسه قط، ولا يغضب لشخصه، وإنما كان غضبه وانتقامه لله وحده حين تنتهك حرماته.

ما أشد حاجة الدعاة إلى الله وشباب الصحوة اليوم إلى التحلي بهذا الخلق الرفيع؛ فهو الكفيل بتوثيق العلاقات، وزيادة المحبة، وتأليف القلوب، وتوحيد الصفوف وقوة المسلمين. وقد أشار القرآن الكريم إلى ثمرة هذا الخلق العظيم بقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 34-35].

والله من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين.

الخلاصة

تؤكد الحوادث النبوية المتعددة، كقصة ثمامة بن أثال وموقف الأعرابي ويوم فتح مكة، أن خلق العفو والصفح له أثر عميق في تأليف القلوب وجذب الناس إلى الحق. وما أحوج الدعاة إلى الاقتداء بهذا الخلق النبوي لتوطيد العلاقات وزيادة المحبة وقوة المسلمين.
الشيخ الدكتور عقيل المقطري

مقالات ذات صلة