جاء شهر رمضان المبارك وأمتنا الإسلامية تعاني من الضعف والهوان والتفرق، ليأتي ويوحدها في عبادتها وصيامها وانضباطها، معطيًا إياها درسًا عمليًا في إمكانية الاتحاد والاجتماع. فمقومات الوحدة متوافرة لدى أمتنا من شتى الوجوه، غير أن العزيمة الحقيقية عليها غائبة، في وقت تتوحد فيه قوى الشر المعادية لديننا وأمتنا.
أتى رمضان ليكون شاهدًا على قدرة هذه الأمة على تغيير حالها، متى ما أخذت بالأسباب وبدأت بالخطوة الأولى ثم واصلت المسير.
الدين هو الرابط الأقوى لتوحيد الأمة
لا شيء أقوى ولا أجدر بأن يوحد هذه الأمة من الدين؛ فلا لغة ولا دم ولا رابطة أخرى قادرة على فعل ما يفعله الدين. لقد كان العرب أصحاب الوطن الواحد واللغة الواحدة في الجاهلية في أقصى درجات التفرق والاقتتال، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم، ألّف بين القلوب وآخى بين العرب وغيرهم. قال تعالى ممتنًا على هذه الأمة: ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [الأنفال: 63].
لقد جمع هذا الدين بين العربي والعجمي، والأسود والأبيض، في زمن كانت فيه العصبيات للجنس أو اللون أو اللغة هي الطاغية. وحين تراجعت الأمة عن التمسك بدينها والعمل بشريعة ربها، وظهرت المخالفات لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتخلت عن الأخذ بزمام العلوم وأسباب الرفعة، تسلط عليها أعداؤها فمزقوها كل ممزق، وسلبوا خيراتها، ودنسوا مقدساتها، وانتهكوا أعراضها.
وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: ((يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى على القصعة أكلتها. قيل: أو من قلة نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم أكثر، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت)).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((بعثت بالسيف بين يدي الساعة ليعبد الله عز وجل وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالفني، ومن تشبه بقوم فهو منهم)).
وقال أيضًا: ((إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم)).
تشخيص الداء ووصف الدواء
تشخص هذه الأحاديث النبوية وأمثالها الداء الذي أصاب أمتنا وتصف له الدواء بدقة:
الداء:
- الوهن، والمتمثل في "حب الدنيا وكراهية الموت".
- مخالفة أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
- ترك الجهاد في سبيل الله تعالى على جميع الأصعدة.
العلاج: كما وصفه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم هو "الرجوع إلى الدين".
ها هي أمتنا في شهر رمضان ترجع إلى دينها، فنرى الخير والعلاج غالبًا وظاهرًا؛ فلو استمرت الأمة على هذا النهج لنهضت وارتقت وسمت، وصارت قائدة تذل أمامها بقية الأمم.
طريق النهضة والتغيير
إن رمضان فرصة سانحة لكي يغير المسلمون حياتهم، حكامًا ومحكومين. فإن عزم المسلمون على ذلك وأخذوا الأمر بجدية وعزيمة، فإن الله متكفل بتغيير أحوالهم، مصداقًا لقوله تعالى: ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما أنفسهم)).
ستنهض هذه الأمة حتمًا وسيعود لها مجدها وسؤددها، حين تقر بأنها مريضة وتأخذ بالعلاج الرباني والنبوي الكفيل بإزالة ذلك المرض. ومن الواجب علينا أن نعمل وألا نتتظر خروج المهدي -الذي يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا- انتظارًا مصحوبًا بالاتكال المذموم.
وفي المقابل، لا يزال أعداؤنا يخططون وينفقون ويعملون ليل نهار من أجل إضعافنا وإغراقنا في بحر الذنوب، بينما ينشغل البعض -إلا من رحم الله- بالتصفيق للأعداء وتنفيذ مخططاتهم.
ولنا في كلمات "مناحم بيجين" عبرة؛ حين سأله سائل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في قتال المسلمين لليهود، فأجاب اليهودي: إن كان نبيهم قال ذلك فسيكون، لكن ليس هؤلاء المسلمين هم من سيقاتلونا. فلما سأله السائل عن توقيت ذلك، قال: "إذا كانوا يملأون المساجد في صلاة الصبح كما يملأونها في صلاة الجمعة فأولئك هم الذين سيقاتلونا".
سبحان الله! يهودي كافر يوقن بصدق نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، بينما نجد بعض المسلمين لا يتقبلون كثيرًا من الأحاديث النبوية الصحيحة بحجة أنها تخالف عقولهم، أو يبحثون عن أدنى شبهة لإسقاط العمل بها، مثل ردّهم لأحاديث: ((من بدل دينه فاقتلوه))، و((إذا سقط الذباب في إناء أحدكم..))، و((لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) وغيرها.
بشريات العودة إلى الصدارة
ستتحقق نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم حتمًا بعودة هذه الأمة إلى الصدارة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة))، ثم سكت.
نحن اليوم نعيش مرحلة "الملك الجبري"، وليس بعدها إلا خلافة على منهاج النبوة، قائمة على العمل بدين الله، والأخذ بزمام العلم الشرعي والكوني الذي يقيم حضارة إسلامية فريدة تعمر الأرض بما يوافق مراد الله عز وجل. نسأل الله تعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل الطاعة، ويهدي فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى عن المنكر، إنه سميع مجيب.