التفرق والاختلاف: فقه الخلاف وأثره على وحدة الأمة
الحمد لله رب العالمين حرم أذية المسلمين والتعدي على حرماتهم وتوعد من فعل وذلك بأشد الوعيد أحمده على نعمه وقد وعد الشاكر بالمزيد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله خاتم الرسل وأشرف العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:-
عباد الله
فإن الله سبحانه وتعالى قد حث وأمر بالاعتصام والجماعية ونهى عن التفرق والاختلاف فقال سبحانه وتعالى ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ))سورة آل عمران 103 .
إن التفرق يكون أشد ضررا وأخطر عاقبة عندما يحل بالجماعات والإسلامية كما هو حاصل اليوم ومن تدبر النصوص وجد أن التنازع قرين الخذلان وما تفرق قوم إلا تمهد السبيل لغزوهم كما هو حاصل اليوم في فلسطين والبوسنة وكوسوفا وأفغانستان والعراق .
فكيف يكون الحال أيها الإخوة إذا كان هذا التفرق والاختلاف بين الجماعات الإسلامية التي هدفها واحد لا شك أنها قاصمة الظهر .
إن تعدد الاجتهادات و تفاوت الآراء سواء كانت عملية أو علمية في فروع الشريعة لا يمثل أمرا محذورا فالمقصود أن يتعلم الناس كيف يختلفون في هذه المسائل وكيف يحافظون على الألفة والجماعة رغم اختلافهم فيها على النحو الذي كان عليه خير القرون لهذا نجد العلماء قد تكلموا في فقه الخلاف الاختلاف.
قال: النووي : " إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تتهمه ".
إلى أن قال رحمه الله :"..... ثم إن العلماء ينكرون ما أجمع عليه الأئمة وما المختلف فيه فلا إنكار فيه ".
فمسائل الاجتهاد من يعمل فيها بقول بعض العلماء لم ينكر عليه ولم يهجر .
وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وقال : السيوطي رحمه الله : " لا ينكر المختلف فيه و إنما ينكر المجمع عليه ".
وقال الغزالي رحمه الله: "ما هو محل اجتهاد فلا حسبة فيه"
فالاختلاف بحسب موضوعه يقسم إلى ثلاثة أقسام:
- الفروع الاجتهادية.
- الأصول والمذاهب الفقيه .
- الآراء السياسية والشورى.
فمن خصائص الخلاف في الفروع :
1- أن واقع لا محالة ولا مجال للحسم فيه.
2- أنه توسعة ورحمة للأمة .
3- أن أهله في دائرة الرحمة ولا يدخلون في قوله تعالى ((وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)) سورة هود 118.
وذلك لأمور:
1- أنه حصل بين الصحابة رضي الله عنهم .
2- أن السلف جعلوا الاختلاف في الفروع رحمة .
3- أن الخلاف في هذا وقع عرضا لا قصدا.
4- لم يتجه السلف إلى حسم هذا الخلاف .
5- طلب ثلاثة من خلفاء بني العباس من مالك أن يحملوا الأمة على مذهبه فرفض .
الخطبة الثانية :
لا يجوز تأثيم المخالف في المسائل الاجتهادية وأن أخطأ.
قال : عليه الصلاة السلام ((إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ))[1]
الصحابة رضي الله عنهم عند ما أمرهم النبي عليه الصلاة السلام بالصلاة في بني قريظة فصلاها بعضهم في الطريق و بعضهم في بني قريظة فاجتهدوا ولم يخطئهم النبي عليه الصلاة والسلام وأقر الفريقين على فعلهم))[2]
وقال الإمام أحمد رحمه الله : " يستحب ترك القنوت في صلاة ا لفجر و مع ذلك صلى خلف من يقنت" .
وابن مسعود رضي الله عنه أنكر على عثمان رضي الله عنه وصلى خلفه .
وأبو يوسف رحمه الله صلى خلف هارون الرشيد بعد أن احتجم .
فالخلاف لا يقدح في بقاء الألفة والمودة .
وقد سئل الشافعي رحمه الله عن أبي حنيفة فقال : " الناس في الفقه عيال عليه".
وأحمد سأله ابنه عبد الله : أي رجل كان الشافعي فإني أسمعك تكثر له من الدعاء فقال : " كان رحمه الله كالشمس للدنيا والعافية للبدن فهل لهما عوض "
فإن الخلاف في المسائل الاجتهادية لا يذم إلا في حالات منها :
1- إذا أفضى إلى التفرق والتهارج.
2- إذا أدى إلى التعصب للمقالات وجعلها مقابلا للكتاب والسنة .
3- إذا عقد عليها والولاء والبراء.
4- إذا زعم أنه على الحق وحده.
أخوة الإسلام أنه ينبغي أن نحرص على الدعوة ووحدة الصف كما كان أسلافنا رحمهم وعلى الدعاة خاصة والجماعات الإسلامية أن يتطاوعوا ولا يختلفوا قال الله تعالى(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ))سورة الأنفال 24 .
اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام والحمد لله رب العالمين.