الرشوة داء العصر: حكمها ومفاسدها في الإسلام
تتناول هذه الخطبة ظاهرة الرشوة بوصفها داءً فتاكاً يهدد استقرار المجتمعات، ويفسد الأخلاق. يوضح الخطيب تعريف الرشوة وحكمها الشرعي، مستنداً إلى النصوص النبوية التي تلعن الراشي والمرتشي والوسيط، مع بيان مفاسدها التي تؤدي إلى ضياع الحقوق وانتشار الظلم.
الحمد لله رب العالمين على فضله وإحسانه، لا يحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله، لقد جاء ديننا الإسلامي الحنيف بحض الناس على التحلي بأفضل وأعظم الصفات؛ لم يأت أي دين آخر بمثل ما جاء به، وشهد بذلك غير المسلمين؛ من حسن الجوار، والوفاء بالعهود والمواثيق، والصدق، والأمانة، والعفاف، وحياة الضمائر.
وحذر من صفات مقيتة، وأفعال مشينة، وأخلاق ذميمة، إن أشربها القلب قسا وأظلم، وإذا ارتضاها مجتمع خرب وتهدم وفسد وتحطم؛ صفات قد يستهين بها كثير من الناس وهي خطرة، يستمرئها فئات من البشر، وهي فاتكة، جالبة للخطر، مفسدة للبشر، لا تبقي ولا تذر.
ومن هذه الصفات صفة ذميمة انتشرت في المجتمع، لها تعلق بالكسب الذي سيسألنا ربنا عز وجل عنه يوم القيامة، كما صح عن الترمذي ((لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعٍ: عن عمرِه فيمَ أ أفناه؟ وعن شبابِه فيمَ أبلاه؟ وعن مالِه من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وعن علمِه ماذا عمل فيه؟)) [1].
مفهوم الرشوة وأسماؤها المخادعة
تلطخ الناس بهذه الصفة الذميمة، وعاش بها أقوام يسمونها بغير اسمها، ويلقبونها بغير لقبها بعبارات جذابة، ويقدمونها بألفاظ خلابة؛ فهي هدية، وإكرامية، ورمز الحب والتقدير، وهي بدل اكتساب ومكافأة.
والرشوة -إخوة الإسلام- هي بذل المال للتوصل به إلى باطل، إما بإعطاء الباذل ما ليس من حقه، أو إعفائه مما هو حق عليه.
وحكم هذا العمل في الإسلام -أعني الرشوة- هو الحرام بكل أشكالها، وصورها، وطرقها، وأساليبها، سواء كانت طعاماً أو مالاً، فكل ذلك في مقابل الانحراف بالحق إلى الباطل.
وقد قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «من يشفع شفاعة ليرد بها حقاً أو يدفع بها ظلماً فأهدي إليه فقبل فهو سحت».
وتكون المفسدة الكبرى إذا بلغ بالمرتشي أن يساوم في مقدار الرشوة مجاهراً، والنبي ﷺ يقول: ((كلُّ أمتي معافىً إلا المجاهرين)) [2]. فهذا الشخص وصل به الحال إلى درجة أنه لا يخاف الله ولا يراقبُه، فتصبح الرشوة تجارة رابحة. ويومئذ تضيع الكرامة، وتهدر الحقوق، ويموت النبوغ، ويتلاشى الجد في العمل، وتموت الضمائر.
الرشوة -أيها الإخوة- تلبس أسماء مستعارة، فتأخذ صوراً متلونة؛ فهذه هدية، وتلك إكرامية، وهذه مجاملة، وهذا باسم دلالة وخصميات.
والرشوة مرض عام قد يستفحل إلا ما رحم ربك، والغرض من ذلك: طمس الحق، أو السكوت على باطل، وتقديم المتأخر، وتأخير المتقدم، ودفع الخامل، ومنع الكفء، وتغيير الشروط، وإخلال بالمواصفات، والعبث بالمناقصات... إلخ.
فالطالب يعطي أستاذه، والموظف يهدي لمديره؛ صور عديدة أفسدت العمال والموظفين، وأفسدت الأجهزة العامة والخاصة.
اللعنة النبوية للراشي والمرتشي
لقد أعلن المصطفى ﷺ: ((لعنةُ اللهِ على الراشي والمرتشي والرائشِ بينهما)) -وهو الوسيط-. هذه اللعنة زجر للفاعل، وتحذير للمسلمين من شرها، وإبعاد لهم عن ضررها، وحماية لدينهم وأموالهم.
وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لعنَ الراشي والمرتشي))، وفي بعض الألفاظ: ((والرائشَ)). وحقيقة اللعن الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه وتعالى[3].
لعن هؤلاء بسبب الرشوة؛ لأنها تؤدي إلى قلب الحقائق؛ فيصير الحق باطلاً والباطل حقاً، والصادق كاذباً والكاذب صادقاً، والظالم مظلوماً والمظلوم ظالماً. تأخذ بواسطتها أموال الناس بالباطل، وتنتهك الأعراض، وتذهب الأموال والأرواح والدماء هدراً، وتتغير بواسطتها الفطر.
مفاسد الرشوة وأضرارها
مفاسد الرشوة كثيرة جداً، منها:
- تفسد الأخلاق.
- تفسد الأعمال.
- تفسد الأنظمة.
- تفسد القلوب.
وتحل الغش مكان النصح، والخيانة محل الأمانة، والخوف بدل الأمن، والظلم بدل العدل. تهدد الحقوق، وتعطل المصالح، وتجرئ الظلمة والمعتدين؛ ما فشَت في مجتمع إلا وآذنت بهلاكه، تساعد الأمة على العدوان، وتجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، تهدر الكرامات، ترفع اللئيم وتهين الكريم.
انتشرت بين اليهود فصارت أمتهم تعيش بالمحاباة والرشوة في الأحكام، ففسدت أمور معاملاتهم، كانوا آكلين للسحت إلى اليوم؛ ما تسقط شركة إلا وفضائح الرشوة تلاحقها، بل ما يزول حاكم من حكامهم إلا وأول تهمة توجه إليه هي أخذ الرشوة.
ألا وإن من أقبح الأساليب الملتوية للحصول على الرشوة؛ تعطيل معاملات الناس والتسويف في إنجازها إلى أن يتم أخذ الرشوة وخيانة الأمانة.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].
هكذا تضيع الأمانات بسبب الرشوة، وتتحول الأعمال الشريفة إلى لصوصية؛ كرشوة المسؤولين في مشاريع الدول العمرانية من قبل أصحاب الأعمال، وكرشوة المشرفين على الأعمال من أجل التقصير بالعمل والإخلال بالشروط.
استغلال الوظيفة والتحذير من سحت الرشوة
أيها المسلمون، احذروا الوقوع في حبائل الرشوة المحرمة؛ فإنها خيانة عظمى، ودناءة نفس، وطبيعة سوء، فكفى بها من هوى وسقوط مروة وخيانة عهد، فلا يقبلها إلا لئيم الطبع، سيء الخلق، دنيء النفس.
انتشر بين الناس في أيامنا هذه -إلا من رحم الله- استخدام الوظيفة للمصالح الشخصية، وقد ورد عن المصطفى ﷺ وعيد شديد لمن يستغل نفوذه في مصالح نفسه وإن ألبسها أثواباً مستعارة كالهدية والوساطة وغير ذلك.
فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام: ((أنه استعمل رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ. فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إلي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة؛ فلا أعرف أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر» ثم رفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه يقول: «اللهم هل بلغت؟)) [4].
ففي هذا الحديث أن من استباح لنفسه أن يأخذ ما لا يحل له فهو سحت، ولا يبارك الله له فيه، ولا في نفسه، ولا في أولاده، فكل جسم نبت من حرام فالنار أولى به.
فاحذروا هذا العمل الدنيء، واعلموا أن أموال الرشوة لا يبارك الله فيها، يبتلى آخذوها بالمصاب والنكبات والأمراض التي تجعلهم يخرجون أضعاف أضعاف ما أخذوا، وإن المال الحلال يبارك الله فيه وإن كان قليلياً.
خطورة رشوة الضمائر والمبادئ
عباد الله، هناك نوع آخر من الرشوة ليس له علاقة بمعاملة ولا ببضاعة؛ لأنه أخطر منه بكثير، وهي الرشوة التي تدفع لحملة الشريعة، ودعاة الدين، وأصحاب المنهج والرسالة، تدفع لهم مقابل شراء ضمائرهم، تدفع لهم ليتخلوا عن بعض الفكر الذي يحملونه، فقد يعطى منصباً أو جاهاً أو شرفاً أو نحو ذلك فيرضى بما أعطي، أو ربما يقنع بأن هذا من الدين وفي خدمة الإسلام، فيتنازل هذا المسكين عن الكثير من المبادئ التي يحملها ويدعو إليها.
رشوة الضمير تظهر الفتاوى المضللة التي تحل الحرام وتحرم الحلال وتفسد الأخلاق؛ فسمعنا من يقول: هل تريدون الفتوى بالحل أو بالحرمة؟ فيحل الربا، ويجوز الاختلاط المخل بالآداب، وتنكروا للحجاب، وتنازل بعضهم عن الثوابت.
بل هناك حكام رشيت ضمائرهم بالمال أو بالحفاظ على المنصب أو بقاء المصالح، فتنازل عن وطنه وباع قضيته، وهناك من صار جاسوساً على بلده يتقاضى المال من حكومته ومن الأعداء.
وانظروا إلى رواد الفكر والثقافة في مجتمعنا، نجد أكثرهم قد ضل سواء السبيل، وحاد عن منهج الحق، جرياً وراء متاع زائل؛ يلهثون وراء إرضاء وخطب ود المنظمات الغربية التي تسعى لزعزعة العقيدة والثوابت، وإفساد الأخلاق، ونشر الرذيلة.
وهكذا المعلمون والمربون الذين يفترض فيهم أن يخرجوا القادة والمفكرين أصحاب الضمائر الحية، أما أن يكون هو أصل الداء فهذه القاتلة؛ أن يرش ضمير المدرس والمدرسة والكلية بالمال لينجح الطالب الفاشل ويصير قائد الأمة، أو يضغط على فتاة لتهتك عرضها فيسقطها في الاختبار حتى ترضخ لمطالبته الدنيئة.
وقد يرشى الطبيب ليضع تقريراً كاذباً ليشهد فيه الزور، يهدر به الدماء ويضيع الأعراض.
فعلى المسلم الحرص على سلامة نفسه من الرشوة، وسلامة أسرته حتى يصلحها الله، ومجتمعه المسلم الذي ينتمي إليه.
نسأل الله عز وجل أن يوفقنا لطاعته ويجنبنا سخطه، وأن يجنبنا وإياكم الحرام.
الخلاصة
تحذر الخطبة من خطورة الرشوة بمختلف صورها وأسمائها المخادعة كالهدية والإكرامية، وتبيّن تحريمها القاطع واللعنة النبوية للراشي والمرتشي والرائش. كما توضح مفاسدها العميقة في إفساد الأخلاق والأنظمة وضياع الحقوق، وتختتم بالتحذير من أخطر أنواعها وهي رشوة الضمائر والمبادئ التي تفسد المجتمعات.