موقع الشيخ د. عقيل المقطري
الموقع الرسمي
الرئيسية / الخطب / التربية العقدية للطفل في الإسلام: أسس وم...
🕌 جمعة رقم الخطبة: 7 نشر: 2026/09/10 31 مشاهدة

التربية العقدية للطفل في الإسلام: أسس ومنهج

المسجد: جامع عمر بن عبد العزيز الخطيب: الشيخ د. عقيل المقطري

تتناول هذه الخطبة أهمية مرحلة الطفولة كفترة تأسيسية لبناء شخصية المسلم، مؤكدة على دور الوالدين في غرس العقيدة الصحيحة منذ الولادة. وتستعرض الخطبة أسس غرس أركان الإيمان في نفوس الأطفال، مع التركيز على المنهج النبوي في التربية لضمان تنشئة جيل متمسك بتعاليم دينه.

الحمد لله الذي يمن على من يشاء بالأولاد ويجعلهم فتنة يتبين بها الشاكر الذي يقوم بحقهم ويصونهم عن الفساد والمهمل الذي يضيعهم ويتهاون بمسئوليتهم فيكونون عليه نقمة وحسرة في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحكمة البالغة والحجة القائمة على العباد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله حمل الآباء مسئولية أولادهم فقال ((مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ)) [1]

 صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا .

أما بعد:-

 عباد الله :

أن مهمة تربية الأولاد مهمة عظيمة يجب على الآباء أن يحسبوا لها حسابها ويعدوا العدة لمواجهتها خصوصا في هذا الزمان التي تلاطمت فيه أمواج الفتن واشتدت غربة الدين وكثرة فيه دواعي الفساد لذا سيكون حديثنا بإذن الله تعالى في هذا اليوم حول تربية الأبناء وقبل الخوض في غمار الموضوع نعرج إلى تعريف التربية.

فالتربية لغة :

 مأخوذة من ربي الشيء يربو ربوا بمعنى زاد ونما ومنه قول الله تعالى: ((يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)) سورة البقرة 276.

وللتربية معنى آخر : فيأتي بمعنى حسن القيام بالطفل ووليه حتى يدرك أي يفارق الطفولة.

أما التربية بمفهومها الاصطلاحي:

فهي مجموعة التصرفات العملية والقولية التي يمارسها راشد بإرادته نحو صغير و بهدف مساعدته في اكتمال نموه وفتح استعداداته اللازمة وتوجيه قدراته في ضوء الإسلام .

مفهوم التربية :

أما مفهوم التربية الإسلامية فيه تنمية جميع جوانب الشخصية الإسلامية والفكرية والعاطفية والجسدية والاجتماعية وتنظيم سلوكها على أساس من مبادئ الإسلام وتعاليمه .

ثم نأتي إلى تعريف مفهوم الطفل لغة واصطلاحا:

فالطفل لغة :

مأخوذ من الفعل الثلاثي طفل والطفل هو : البنيان الرخص والرخص الناعم والجمع أطفال ويدعى طفلا حين يسقط من بطن أمه إلى أن يحتلم .

والطفل : اصطلاحا : هو عالم من المجاهيل المعقدة كعالم البحار الواسع الذي كلما خاضه الباحثون وجدوا فيه كنوزا وحقائق عليمة جديدة.

وتعتبر مرحلة الطفولة من أهم مراحل التكوين ونمو الشخصية وهي مجال أعداد وتدريب للطفل بالقيام بالدور المطلوب منه في الحياة ولما كانت وظيفة الإنسان هي أكبر وظيفة ودوره في الأرض هو أكبر وأضخم دور اقتضت طفولته مدة أطول ليحسن إعداده وتربيته للمستقبل ومن هنا كانت حاجة الطفل شديدة لملازمة أبويه في هذه المرحلة.

 وهنا يأتي سؤال مهم وهو متى يبدأ غرس العقيدة في نفس الطفل؟

 والجواب من حين سقوطه إلى الأرض من بطن أمه وذلك عن طريق الأذان في أذنه اليمنى ثم حين يستكمل سنتين ويستمر إلى قبل سن الرشد.

إن غرس العقيدة منذ الطفولة بالغ الأهمية وأيضا بالغ السهولة إذا وعى الوالدان أو أحدهما.

يقول : أبو حامد الغزالي : (( اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة خاليه عن كل نقش وصورة وهذه المرحلة هي أهم المرحل بل أخطرها في مجال تربية الأبناء .

قال الشاعر:

وينشأ ناشئ الفتيان فيـنا على ما كان عوده أبوه

ومادان الفتى بحجى ولكن يعلـمه التدين أقربوه

 وقال آخر :

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشب

إخوة الإسلام : أن مرحلة الطفولة مهمة لعدة أمور:

أولها: لأنها مرحلة صفاء وخلو فكر .

ثانيا: تتوقد فيها ملكات الحفظ والذكاء.

ثالثا: مرحلة طهر وبراءة .

رابعا: كون العالم صار كالقرية الواحدة .

خامسا: غرس الثقافة الدينية في هذه المرحلة يؤثر تأثيرا بالغا في تقويم سلوك الطفل.

سادسا: الأبناء رعية استرعاهم الله آباءهم وسيسألون عنها.

هناك أسس لغرس أركان الإيمان في نفوس الأطفال وذلك من خلال سيرة ا لنبي عليه الصلاة والسلام ومنهجه التربوي من تعليم أطفاله وأطفال الصحابة وهي ما يأتي:

الأساس الأول : إحياء بذرة الفطرة في نفس الطفل:

 والتي تتمثل بتلقين الطفل كلمة التوحيد بالآذان في آذنه اليمين قال تعالى ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) سورة الروم30.

وقال عليه الصلاة والإسلام: (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))[2].

الأساس الثاني: تثبيت اعتقادهم بالله الواحد الأحد وترسخ حب الله تعالى :

لأن الحب يتولد عنه الاحترام والهيبة في السر والعلن.

ولأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا من العدم وسوى خلقنا وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا ورزقنا بالكثير من فضله.

ولأن الأطفال غالبا يتعلقون بآبائهم وأمهاتهم مع أنهم لا يدومون معهم وأما الله سبحانه فهو دائم حي لا يموت وهو الذي يحفظهم ويرعاهم .

ولأنهم إذا أحبوا الله عز وجل وعلموا أن القرآن كلامه أحبوا القرآن وعملوا بتعالمه

ولأنهم إذا أحبوا الله عز وجل أطاعوا أوامره واجتنبوا نواهيه ولأن حب الله يعنى استشعار وجوده عز وجل معنا في كل وقت ومكان فيورث في القلب الطمأنينة والراحة وعدم القلق أو الحزن .

بارك الله لي ولكم بالقرآن , ونفع وإياكم بما فيه من الآيات والذكر والبيان ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد :

فإن هنالك أيضا طرق لترسيخ حب الله سبحانه وتعالى في نفس الطفل منها:

1- تنزيه الله سبحانه وتعالى وطاعته ومراقبته وفي السر والعلن:

لا بد للمربين أن يغرسوا في نفوس الأطفال أن الله واحد لا شريك له نتوجه إليه بالعبادة والإخلاص قال الله تعالى(( إياك نعبد وإياك نستعين ))

2- حسن الظن بالله واللجوء إليه والخوف منه :

فإن للخوف من الله آثار طيبة من ذلك أن الخوف من الله يحيي ضمير الإنسان على اليقظة والخشية ومراقبة الله جل وعلا، وكذلك يقف حارسا يرغب الإنسان في الخير والاستقامة ويحذر من الشر والانحراف .

3- شكر الله والاعتراف بالجميل :

واجبنا أن نلفت دائما أنظار أولادنا إلى شكر الله عز وجل الذي تفضل علينا بالنعم وهذا الواجب يمثل شكره تعالى على نعمه وأنه يتحقق بالعبادة والطاعة.

4- الدعاء وبيان بركته وفضله:

نعلم أطفالنا الدعاء و طلب ما نريده من الله و نبين لهم أن الإنسان ضعيف وفقير

إلى الله يستمد قوته منه وحده سبحانه، فالدعاء له آثر عظيم في رفع البلاء وهو سبيل القوة الحقة وكذلك له أثر واضح من صلاح الأبناء.

أيها الآباء الكرام: أدعوا الله أن يصلح أولادكم كما دعا إبراهيم الخليل عليه و على نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم حيث قال: (( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ)) سورة إبراهيم35.

وقال: ((رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ)) سورة الصفات 100 .

وقال: ((رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)) سورة إبراهيم 40 .

 كما دعا زكريا عليه السلام حيث قال (( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)) سورة آل عمران 38 .

هذه دعوة الرسل والأنبياء لأودهم فاقتدوا بهم في ذلك.

ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعيون قرة أعين واجعلنا للمتقين أماما .

اللهم أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.

[1] - سنن أبي داود 1/185

[2] - البخاري 1/456

الشيخ د. عقيل المقطري

خطب ذات صلة