شعار الشيخ د. عقيل المقطري
موقع الشيخ د. عقيل المقطري
الرئيسية / الخطب / أهمية الرحمة في الإسلام وفضل التراحم بين...
🕌 جمعة نشر: 2026/09/15 آخر تحديث: 2026/10/22 88 مشاهدة

أهمية الرحمة في الإسلام وفضل التراحم بين المسلمين

الخطيب: الشيخ د. عقيل المقطري
تتناول هذه الخطبة مفهوم الرحمة في الإسلام وأهميتها في بناء مجتمع متراحم ومترابط. وتوضح أن الرحمة صفة عظيمة من صفات الله تعالى، كما تبين طرق تحصيلها وأحق الناس بها كالوالدين والأبناء والخدم والحيوانات.

إن رحمة الله سبب واصل بين الله وعباده، بها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وبها هداهم، وبها يرزقهم ويعافيهم وينعم عليهم، وبها يسكنهم دار ثوابه.

أما بعد:

عباد الله؛ إن المجتمع المسلم بأمسّ الحاجة إلى قلوب رحيمة ورعاية حانية، إنه بحاجة إلى من يمنحه ويعطيه ويحمل همومه. إن انعدام التراحم في المجتمع المسلم يجعله مجتمعًا ذا طباع بهيمية، بل أنزل من ذلك؛ فالبهائم تتراحم فيما بينها، فترحم الأم ولدها كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إن الإنسان ميّزه الله عن سائر الحيوانات بعقله وقلبه وروحه، والإنسان يتميز عن غيره من الناس بمثل هذه الأحاسيس، كما قال القائل:

فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

إن الرحمة من الصفات التي تكمل الإنسان، وهي التي تجعله يرق لما يألم منه الناس، وتجعله يسعى جاهدًا لإزالة الأسباب التي تؤلمهم، كما أن الرحمة من كمال فطرة الإنسان ومكارم أخلاقه. إنها تحمل صاحبها على البر، وتعينه في زمن الفاقات والأزمات، فتحول الحياة من بؤس إلى أنس، ومن شقاء إلى سعادة.

رحمة الله الواسعة بعباده

ففي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((جعل الله الرحمة في مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه))[1].

إن الله عز وجل وصف نفسه بالرحمة، وهي صفة تليق بجلاله وعظمته، لا تشبه صفات المخلوقين، ولقد عمَّ الله برحمته جميع المخلوقين. وملائكة الرحمة أثنت على الله بهذه الصفة وهي تدعو للمؤمنين، فقالت: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (غافر: 7).

وفي حديث عمر رضي الله عنه الذي رواه البخاري، قال: «قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلَبُ ثَدْيُهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ. فَقَالَ: ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»[2].

أيها المسلمون؛ إن رحمة الله سبب واصل بين الله وعباده، بها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وبها هداهم، وبها يرزقهم ويعافيهم وينعم عليهم وبها يسكنهم دار ثوابه، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس: 57 - 58).

إن الرحمة تحصل للمؤمنين المهتدين بحسب هداهم؛ فكلما كان نصيب العبد من الهدى أتم، كان حظه من الرحمة أوفر. فالله برحمته شرع الدين فأحل وحرم، وجعل في الدنيا من الأكدار ما يؤفف عنها أصحاب النفوس العالية الهمة فلا يركنوا إليها ولا يرغبوا عن الآخرة ونعيمها.

الرحمة صفة النبي صلى الله عليه وسلم

ولقد أرسل الله محمدًا صلى الله عليه وسلم أزكى العباد، وأحسنهم خلقًا، وأوسعهم برًا، وأكثرهم رفقًا، وأظهرهم عاطفة، وأرحبهم صدرًا، وأنفسهم نفسًا. قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).

إن الإسلام رسالة خير ورحمة للبشرية جمعاء، فدعا إلى التراحم، وجعل من دلائل الإيمان الرحمة؛ فالمسلم يرحم. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((لن تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على ما تحابون عليه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفشوا السلام بينكم تحابوا، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا. قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم. قال: إنه ليس برحمة أحدكم، ولكنها رحمة العامة، رحمة العامة))[3].

معنى الحديث أن الرحمة ليست مقصورة على من تعرف من قريب أو صديق، ولكنها رحمة عامة تشمل الناس جميعًا. إذاً؛ المطلوب نشر وإفشاء الرحمة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))[4]. وفي رواية من حديث آخر: ((من لا يرحم لا يرحم))[5].

الأسباب الجالبة لرحمة الله

أيها المسلمون، عباد الله؛ إن رحمة الله تستجلب بطاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (آل عمران: 132). وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد: 28).

ومما يجلب للعبد رحمة الله؛ إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال الله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: 71).

ومما يجلب للعبد رحمة الله أيضًا؛ رحمة العبد لعباد الله، ففي الحديث الصحيح: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء))[6].

ولهذا؛ فإن المؤمن قوي الإيمان يتميز بقلب حي مرهف لين؛ يرحم ويألم للحزين، ويحن على المسكين، ويرق للضعيف، ويمد يده إلى الملهوف، وينفر من الإيذاء، ويكره الجريمة؛ فهو مصدر بر وخير.

رحمة الوالدين والأبناء والأقارب

عباد الله؛ إن أحق الناس وأولاهم بالرحمة هما الوالدان؛ فبرهما تستجلب به الرحمة من الله، قال الله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 24).

ويأتي من بعدهم الأولاد؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما ثم يقول: ((اللهم ارحمهما فإني أرحمهما))[7].

إن من الناس من يكون جلفًا يخلو قلبه من الرقة والحنو حتى على أقرب الناس؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((من لا يرحم لا يرحم)). وفي رواية: ((أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة))[8].

ومما يرتبط بذلك حق ذوي الأرحام من الإخوة والأخوات والقرابات؛ فإن الرحم خلقها الله عز وجل واشتق لها اسمًا من اسمه. وليس من صفات المسلم أنه يقطع رحمه، ويغلق بباب قلبه، ويقطع علاقاته بأرحامه، فلا يألم لألمهم ولا يعين محتاجهم.

إن الجفاء يعرض العبد للحرمان من بركة الله ويعرضه لمقته؛ ففي الحديث الذي رواه أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: ((إن الرحم شجنة من الرحمن، تقول: يا رب إني قطعت، يا رب إني أسئ إلي، يا رب إني ظلمت، يا رب! قال فيجيبها: أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك))[9].

رحمة الخدم وضعفاء الناس

ومن مواطن الرحمة؛ الإحسان إلى الخدم والترفق بهم والتجاوز عن هفواتهم؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي: أف قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟»[10].

وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: «كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: ((اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ)). فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ: ((أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ -أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ-»[11].

وممن تتطلب حالتهم الرحمة المرضى وذوو العاهات، أما الصغار والأطفال فإنهم محتاجون إلى عناية خاصة ورحمة خاصة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا))[12].

شمول الرحمة للحيوان والبهائم

إن تعاليم الإسلام تجاوزت الإنسان إلى الحيوان؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ))[13]. وترقى الرحمة بالبهائم حتى في حال ذبحها؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ))[14].

وبعد أيها الناس؛ فبالرحمة تجتمع القلوب وتتآلف النفوس، والقلب يتبلد مع اللهو الطويل والمرح الدائم فلا يشعر بحاجة محتاج ولا يحس بألم متألم. يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك، يلن قلبك وتدرك حاجتك))[15].


الخلاصة

تؤكد الخطبة على أن المجتمع المسلم بحاجة ماسة إلى قلوب رحيمة ورعاية حانية تمنع طغيان الطباع البهيمية. وتوضح أن الرحمة صفة تليق بالله عز وجل، وأن الإسلام جاء رسالة خير ورحمة للبشرية جمعاء، حيث ترتبط الرحمة ارتباطًا وثيقًا بكمال الإيمان وطاعة الله. كما تُبيّن أسباب استجلاب الرحمة، وأحق الناس بها كالوالدين والأولاد والأرحام والضعفاء والخدم، وصولاً إلى الرفق بالحيوان والإحسان إليه، مع بيان أثر الرحمة في لين القلوب وتآلف النفوس.

المصادر والمراجع

[1] البخاري 5/2236 ومسلم 4/2108.

[2] البخاري 15/173.

[3] المستدرك 4/185.

[4] البخاري 6/2686.

[5] البخاري 5/2239.

[6] سنن أبي داود 2/703.

[7] البخاري 5/2236.

[8] البخاري 5/2235.

[9] رواه أحمد 2/406.

[10] رواه مسلم 4/1804.

[11] رواه مسلم 5/92.

[12] رواه الترمذي 4/322.

[13] رواه البخاري 8/370.

[14] رواه مسلم 6/72.

[15] صحيح الترغيب 2/341.

الشيخ د. عقيل المقطري

خطب ذات صلة