شعار الشيخ د. عقيل المقطري
موقع الشيخ د. عقيل المقطري
الرئيسية / الخطب / الظلم: أنواعه وعواقبه الوخيمة في الدنيا...
🕌 جمعة رقم الخطبة: 1 نشر: 2026/10/04 آخر تحديث: 2026/10/23 99 مشاهدة

الظلم: أنواعه وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة

الخطيب: الشيخ د. عقيل المقطري

تتناول هذه الخطبة موضوع الظلم باعتباره صفة قبيحة حرمها الله على نفسه وعلى عباده، محذرة من عواقبه الوخيمة على الأفراد والمجتمعات. كما تسلط الضوء على حرمة الظلم في الأشهر الحرم، وتوضح أنواعه الثلاثة: الشرك بالله، وظلم العباد، وظلم النفس.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن الله سبحانه وتعالى يصطفي ويختار من خلقه ما يشاء؛ فيصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ويصطفي من البقاع ما يشاء، فأحب البقاع إلى الله عز وجل المساجد وأبغضها أسواقها، ويصطفي من الأزمنة ما يشاء، فاصطفى من أشهر السنة الأشهر الحرم وفضلها على غيرها، فقال: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36].

واصطفى الله من أيام الأسبوع الجمعة فجعلها عيداً للمسلمين، يجتمعون في هذا اليوم ليتفقهوا في أمر دينهم، وليعبدوا الله ويذكروه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة، 9].

والأشهر الحرم ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد منفرد وهو رجب الذي يأتي بعده شعبان، ونحن في الأيام الأواخر من هذا الشهر المحرم. والله جل وعلا قد جعل للأشهر الحرم فضائل؛ فمن فضائلها:

  • أنه سبحانه وتعالى -إضافة إلى تحريمه للظلم والمظالم- جعل تحريمها في هذه الأشهر أشد، فقال: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة، 36].
  • وجعل أفضل الأعمال فيها، كالحج وهكذا الصيام؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ)).

وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يصوم من الأشهر الحرم، وكان يحرم هذه الأشهر ويعظمها ويذكر المسلمين بقدرها، ومن أجل هذا حرم الله سبحانه وتعالى القتال في الأشهر الحرم، ولقد كانت الجاهلية تعظمها وتحرمها وتحرم القتال فيها.

إن للظلم -أيها المسلمون- عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع، بل وعلى الشعوب والدول. يقول الله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]، وقال: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً} [الكهف، 59].

إن الله تعالى حرم الظلم على نفسه أولاً، ثم حرمه على عباده، فقال في الحديث القدسي: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)). فبدأ بنفسه سبحانه فحرم الظلم على نفسه، ثم حرمه بعد ذلك على عباده؛ وذلك لأن الظلم صفة نقص، والله تعالى تنزه عن صفات النقص، فوصف نفسه سبحانه بأنه لا يظلم مثقال ذرة. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} [النساء: 40]، وقال سبحانه وتعالى: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف، 49].

ولقد حرم النبي عليه الصلاة والسلام الظلم في أشهر البقاع وأطهرها وأفضلها عند الله، وفي أعظم الأيام، وفي أعظم الشهور، وفي أعظم موقف؛ فكان في خطبته في حجة الوداع أن قال: ((ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ -ثلاثاً يرددها- والناس يقولون: بلى، والنبي عليه الصلاة والسلام يرفع أصبعه إلى السماء ويقول: اللهم فاشهد، ثم ينكتها على الناس: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الظلم؛ فإنه ظلمات يوم القيامة)). وقال: ((المسلم أخو المسلم، لا يسلمه ولا يخذله)). فحرم صلى الله عليه وسلم الظلم أشد تحريم.

أيها المسلمون، ليس المقصود بالظلم أن تظلم غيرك فحسب؛ فإن الظلم أعظم من هذا وأشمل بكثير. ولقد تهدد الله تعالى الظالمين باللعنة فقال: {أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18]. وعواقب الظلم وخيمة جداً على الفرد وعلى المجتمع، وإضافة إلى ذلك فإن الله يهلك الظالمين: ((إن الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)). أيا كان هذا الظالم، سواء كان مؤمناً مسلما أو كافراً، قريباً أو بعيداً، فإن الله تعالى يملي له، فإذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر.

الدول والشعوب إذا ظلمت، أو الحكام إذا ظلموا، فالله سبحانه وتعالى يمهلها ويملي لها، لكنه إذا أخذها أخذها أخذ عزيز مقتدر. إن ذهاب الأمن والاستقرار، وفشو المنكرات والفواحش، وارتفاع الهداية عن الناس هو بسبب الظلم. يقول الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]. ومفهوم هذه الآية أن الأمن والأمان والاستقرار يرتفع عن الظالمين في الدول الظالمة، فلا تنصر الدولة الظالمة بل الخذلان حليفها، والانهيار هو خاتمتها وهو أجلها المحتوم.

هكذا -أيها المسلمون- الظلم عواقبه وخيمة، خاصة ونحن في أواخر هذا الشهر الحرام، وستأتي علينا الأشهر الحرم، والله تعالى قد حذر من أن يظلم الإنسان نفسه فيها فقال: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة، 36].

أنواع الظلم

الظلم -أيها المسلمون- أنواع، ويمكن أن نختزلها في ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الشرك بالله تعالى

وهو أظلم الظلم؛ قال لقمان لابنه وهو يعظه كما أخبر الله تعالى: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13]. هذا هو أعظم الظلم، ولا يغفره الله جل وعلا إلا بالتوبة إليه. وهذا النوع أشكاله مختلفة جداً وأنواعه متكاثرة؛ فمنها: عبادة غير الله من أشجار وأحجار وأقمار، والخضوع لغير الله، والتحاكم لغير الله، والذبح والنذر لغير الله تعالى، والخوف من المخلوق فيما لا يستطيعه إلا الله جل وعلا، وتعظيم غير الله تعالى كادعاء أن هذا المخلوق يعلم الغيب وأن بيده الضر. هذه كلها أبواب من أبواب الإشراك بالله تعالى، وكما قلنا لا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة.

النوع الثاني: ظلم الإنسان لغيره

سواء كان هذا الغير مؤمناً أو كافراً، وأنواع هذا الظلم كثيرة جداً:

- ظلم العمال والموظفين:
 بأخذ عرقهم وعدم إعطائهم أجورهم، فيبخسهم أشياءهم لكونهم محتاجين فيضغط عليهم من أجل أن تؤخذ حقوقهم، فقد يرفع هذا المظلوم يده إلى الله الذي لا تضيع عنده مظلمة.

- ظلم الموظفين لأنفسهم ولغيرهم:
 كالذين لا يحترمون الدوام الرسمي فيتأخرون ويغيبون ثم يأخذون أجورهم كاملة، والذين يرتشون، والذين يسرقون وينهبون ويحتالون ويأكلون حقوق الناس بشتى الحيل، وينزلون الضرر بالعامة كالتلاعب بالأسعار وتطفيف المكيال والميزان وبيع الأشياء الفاسدة.

- ظلم الحكام:
 بالحكم بغير ما أنزل الله، والارتشاء، وبيع الأعراض والدماء، والتزوير في الأحكام، ونهب وسلب خيرات البلاد، وانعدام التسوية في تقسيم الثروات أو العدالة في توزيع الوظائف، وتقنين القوانين الوضعية الوافدة من بلاد الغرب التي تتصادم مع القرآن والسنة، وانعدام الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء.

- ظلم ذوي القربى:
 وهو أشد مضاضة على النفس، كظلم الآباء للأبناء، وظلم الإخوان لأخواتهم بمنعهم من إرثهم وحقوقهم، وظلم الجار لجاره، وظلم القوي للضعيف، وظلم بعض الآباء للبنات بالمغالاة بالمهور ومنعهن من حقهن في الزواج، وعقوق الأبناء لآبائهم وعدم إعطائهم حقوقهم وقت الحاجة.

- ظلم العلماء وطلبة العلم:
 لعامة الناس بعدم تثقيفهم في دين الله، وعدم إعطائهم ما يحتاجون إليه من العلم النافع وما لا يسع المسلم جهله في أمور المعتقد والعبادة، أو تعنيفهم بالكلام وعدم رحمة عاصيهم أو الاحتجاب عنهم وقت الحاجة.

- احتكار التجار:
للسلع الأساسية التي يحتاج إليها الناس ورفع أثمانها.

وهذا النوع من أنواع الظلم الله سبحانه وتعالى لا يتركه أبداً. يقول ربنا جل وعلا في الحديث القدسي: ((ودعوة المظلوم يرفعها الله تعالى في عنان السماء، ثم يقول جل وعلا وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)).

إذا كان ربنا سبحانه يأخذ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء التي تنطحها -وهذه حيوانات لا تعقل وليست بمكلفة- فكيف بالإنسان المكلف؟ الله تعالى لن يتركه بل سيأخذ حق المظلوم من هذا الظالم. فيا خيبة ويا إفلاس هذا الظالم الذي يأتي يوم القيامة ومعه صلاة وصيام وحج وغير ذلك، فيحيط به المظلومون من كل مكان: هذا يذكر مظلمته، وهذا يتعلق بتلابيبه، وهذا يأخذ بيده؛ والله تعالى لا يظلم أحداً أبداً، فيأخذ من حسنات هؤلاء الظلمة إلى حسنات المظلومين، فإذا فنيت ونفذت أخذ من سيئات المظلومين فطرحها على الظالم فألقي في جهنم والعياذ بالله.

إنه الإفلاس، إنها الخسارة الحقيقية؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر، 15].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

النوع الثالث: ظلم الإنسان لنفسه

وهو باب من أبواب الظلم واسع، والناس في هذا الباب ما بين مستقل ومستكثر؛ قال تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق، 1].

كل من تعدى حدود الله تعالى في أي باب من الأبواب فهو ظالم لنفسه: ذاك الذي يقطع الصلاة ظالم لنفسه، ذاك الذي يحرم نفسه من الخير والحسنات ظالم لنفسه، ذاك الذي يضيع وقته فيما لا ينفع، ذاك الذي لا يجل الله ولا يوقر الله ولا يحتكم إلى شرع الله ظالم لنفسه، وشارب الخمر، ومؤذي جاره، والمرابي... وكل هؤلاء ظالمون أنفسهم.

وهذا الباب يغفره الله سبحانه وتعالى إن تاب العبد وأناب، وإن عاد مرة أخرى ثم تاب فالله تعالى يقبل توبته؛ والله سبحانه وتعالى قد فتح باب التوبة على مصراعيه وجعله مفتوحاً لكل أحد مهما ظلم؛ قال الله: {قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].

إن الواجب على كل عاقل أن يتحلل من المظالم في هذه الدنيا قبل أن لا يكون درهم ولا دينار إنما هي الحسنات؛ إما بالاعتذار أو برد المظلمة لهذا المظلوم، قبل أن يأتي يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، كل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، ولا يعطى شيئاً من حسناته لأي إنسان.

ألا فلنحذر الظلم -في الأشهر الحرم خاصة- فالمظالم محرمة على سبيل الدوام، ولكنها أشد حرمة في الأشهر الحرم.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، والحمد لله رب العالمين.

الخلاصة

تبين الخطبة أن الله حرم الظلم على نفسه وعلى عباده، محذرة من عواقبه الوخيمة التي تؤدي إلى زوال الأمن وانهيار الدول وهلاك الظالمين. وتفصل الخطبة أنواع الظلم الثلاثة وهي الشرك بالله وهو أعظمها، وظلم العباد بأخذ حقوقهم والاعتداء عليهم، وظلم الإنسان لنفسه بتعدي حدود الله، مختتمة بالتأكيد على وجوب التوبة والتحلل من المظالم قبل يوم القيامة.

الشيخ د. عقيل المقطري

خطب ذات صلة