شعار الشيخ د. عقيل المقطري
موقع الشيخ د. عقيل المقطري
الرئيسية / الخطب / صفر ومعتقدات العرب: إبطال التشاؤم وتصحيح...
🕌 جمعة نشر: 2026/09/15 آخر تحديث: 2026/10/23 92 مشاهدة

صفر ومعتقدات العرب: إبطال التشاؤم وتصحيح التوحيد

الخطيب: الشيخ د. عقيل المقطري
تتناول الخطبة أهمية التوحيد وخطر الشرك والخرافات المرتبطة بشهر صفر منذ الجاهلية وحتى اليوم. وتبين بطلان التشاؤم والأحاديث المكذوبة في هذا الشهر، مستعرضة بعض الأحداث العظام التي وقعت فيه.

الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، البشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا. أما بعد:

أهمية التوحيد وأصله العظيم

عباد الله: إن من أهم الواجبات، بل أوجبها على العباد، معرفة توحيد الله عز وجل وما يناقضه من الشرك والخرافات والبدع؛ وذلك أن التوحيد هو القاعدة والأساس لدين الإسلام الذي لا يقبل الله عز وجل عملًا إلا به. فالتوحيد هو أصل الأصول الذي خلقنا لأجله، والأعمال كلها يتوقف قبولها واعتبارها على تحقيق هذا الأصل العظيم، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

إن الأدلة على أهمية التوحيد وخطر الشرك كثيرة متضافرة، وشدة الخوف على الناس من الانحرافات والزيغ ظاهرة. ولماذا لا يخاف عليهم والشياطين ما فتئت تترصد لبني آدم؟ ففي صحيح مسلم: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا)) [1].

عباد الله: إن مما يضاد التوحيد ما يعتقده بعض أهل الجاهلية، وسرى هذا الاعتقاد إلى هذا الزمان من اعتقادات وبدع في بعض الأيام والشهور، كشهر صفر هذا الشهر الذي هو الشهر الثاني من الأشهر الهجرية.

تسمية شهر صفر ومعتقدات الجاهلية فيه

سمي صفر لإصهار مكة من أهلها؛ أي خلوها إذا سافروا. وقيل: سمي بذلك لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوه صفرًا من المتاع. لقد كان لأهل الجاهلية في صفر فعلان عظيمان:

  • الأول: التلاعب فيه تقديمًا وتأخيرًا.
  • الثاني: التشاؤم منه؛ حيث كانوا يعتقدون أنه شهر حلول المصائب والمكاره فلا يتزوجون فيه لاعتقادهم أنه لا يوفق، ومن أراد تجارة فلا يمضي في صفر خشية ألا يربح.

بطلان التشاؤم بشهر صفر

وهذه -عباد الله- من الاعتقادات الزائغة، فشهر صفر كغيره من الشهور، فالأزمنة لا دخل لها في التأثير ولا فيما يقدره الله عز وجل. هذا معتقد أهل الجاهلية لأنهم كانوا بعيدين عن الدين، فما بال أهل الإسلام يتشبهون بهم؟!

هناك من يعتقد أن آخر أربعاء من هذا الشهر ينزل الله البلايا والأسقام والكوارث، فبعضهم يقوم يصلي أربع ركعات ويدعو الله، ولم يثبت أن أحدًا من الصالحين أو التابعين أو من جاء بعدهم كانوا يصلون هذه الصلاة ولا يعتقدون هذه المعتقدات. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) [2].

إن التشاؤم بالأزمنة أمر يبطله الإسلام، وهو اعتقاد فاسد لما فيه من الظن السيئ بالله سبحانه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لا عدوى ولا طيرة)) [3]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((الطيرة شرك)) [4].

الأحاديث الموضوعة المتعلقة بشهر صفر

وأهل الجهل ينسبون أحاديث للنبي عليه السلام -أحاديث باطلة مكذوبة- منها:

"من بشرني بخروج صفر بشرته بالجنة" [5].

قال الشوكاني: "هذا الحديث موضوع. وقال الألباني كما في كتابه «حجة النبي عليه الصلاة والسلام»: هذا حديث موضوع، كما في «الفتاوى الهندية» (5 / 330) وكتب الموضوعات."

"وقال ابن الصلاح: بلغنا عن أحمد بن حنبل أنه قال: أربعة أحاديث تدور عن رسول الله -عليه السلام- في الأسواق ليس لها أصل: «من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة»، و«من آذى ذميًا فأنا خصمه يوم القيامة»، و«نحركم يوم صومكم»، و«للسائل حق وإن جاء على فرس»." [6].

وكذلك حديث: "يكون صوت في صفر ثم تنازع القبائل في شهر ربيع ثم العمى العجاب بين جمادى ورجب" [7].

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته وإخوانه. أما بعد:

أحداث عظام وقعت في شهر صفر

عباد الله: إن هذا الشهر الذي يتشاءم فيه كثير من الناس قد حدثت فيه أحداث عظام:

  • ففي هذا الشهر كانت غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي غزوة الأبواء.
  • وفي مثل هذا الشهر فتح رسول الله عليه الصلاة والسلام خيبر.
  • وفي مثل هذا الشهر كانت الواقعة التي قتل فيها خبيب بن عدي رضي الله عنه.

أيها المسلمون عباد الله: إن من أشنع أعمال أهل النار الشرك بالله، قال عليه الصلاة والسلام: ((من لقي الله وهو يشرك به شيئًا دخل النار)) [8].

مفهوم الشؤم والبركة في الأزمان

عباد الله: ليس في الأيام ولا في الأزمان شيء فيه شؤم، بل إن كل زمان ومكان أطاع العبد فيه ربه فهو مبارك، وكل زمان أو مكان عصى فيه العبد ربه فهو شؤم عليه.

عباد الله: اغتنموا هذا الشهر بالعمل الصالح، وتوبوا فيه من الذنوب والمعاصي.

كم ذا التمادي فها جاءنا صفر   شهر به الفوز والتوفيق والظفر

فابدأ بما شئت من فعل تسره   يوم المصير الخير ينتظر

توبوا إلى الله فيه من ذنوبكمُ   من قبل تبلغ فيكم جدة العمر

والحمد لله رب العالمين.

الخلاصة

تؤكد الخطبة على وجوب معرفة التوحيد الخالص وبيان مناقضته للبدع والشركيات، مبينة أن الأزمنة لا تأثير لها. وتفنّد المعتقدات الباطلة والتشاؤم المرتبط بشهر صفر والأحاديث الموضوعة فيه، وموضحة أن ما حدث فيه من غزوات وفتوحات يدل على مباركته كغيره من الشهور عند طاعة الله.

المصادر والمراجع

[1] مسلم 4/2197.[2] مسلم 3/1343.

[3]مسلم 4/1743.
[4] أبو داود 4/230.
[5]الفوائد المجموعة في الأحاديث المرفوعة (438).
[6]شرح أبي داود للعيني 6/426، وكشف الخفاء للعجلوني 2/309، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة 1/432، والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة 1/337.
[7] وقال ابن القيم: هذا الحديث كذب مفترى (المنار المنيف ص64).
[8]مسلم 1/94.

الشيخ د. عقيل المقطري

خطب ذات صلة